ملا محمد مهدي النراقي
157
جامع السعادات
التفرد بما هو فيه ، فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الفن الذي يتفاخر به . ثم منشأ جميع ذلك حب الدنيا ، إذ منافعها لضيقها وانحصارها تصير محل التزاحم والتعارك ، بحيث لا يمكن وصول منفعة منها ، كمنصب أو مال ، إلى أحد إلا بزوالها عن الآخر . وأما الآخرة ، فلا ضيق فيها ، فلا تنازع بين أهلها . ومثالها في الدنيا العلم ، فإنه منزه عن المزاحمة ، فمن يحب العلم بالله وصفاته وأفعاله ومعرفة النظام الجملي من البدو إلى النهاية ، لم يحسد غيره إذا عرف ذلك أيضا . إذ العلم لا يضيق عن كثرة العالمين ، والمعلوم الواحد يعرفه ألف ألف عالم ، ويفرح كل واحد منهم بمعرفته ويلتذ به ، ولا ينقص ما لديه بمعرفة غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الإنس وثمرة الإفادة والاستفادة . إذ معرفة الله بحر واسع لا ضيق فيه ، وكل علم يزيد بالإنفاق وتشريك غيره من أبناء النوع ، يصير منشأ لزيادة اللذة والبهجة ، وقس على العلم التقرب والمنزلة عند الله وغيرهما من النعم الأخروية . فإن أجل ما عند الله من النعم وأعلى مراتب المنزلة والقرب عنده تعالى لذة لقائه ، ولس فيها ممانعة ومزاحمة ، ولا يضيق بعض أهل اللقاء على بعض ، بل يزيد الأنس بكثرتهم . وقد ظهر مما ذكر : أنه لا تحاسد بين علماء الآخرة ، لأنهم يلتذون ويبتهجون بكثرة المشاركين في معرفة الله وحبه وأنسه ، وإنما يقع التحاسد بين علماء الدنيا ، وهم الذين يقصدون بعلمهم طلب المال والجاه . إذ المال أعيان وأجسام ، إذا وقعت في يد واحد خلت عنها أيدي الآخرين . والجاه ملك القلوب ، وإذا امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم ، أنصرف عن تعظيم الآخر ، أو نقص عنه لا محالة ، فيكون ذلك سببا للتحاسد . وأما إذا امتلأ قلبه من الابتهاج بمعرفة الله ، لم يمنع ذلك من أن يمتلئ غيره به . فلو ملك إنسان جميع ما في الأرض ، لم يبق بعده مال يملكه غيره لضيقه وانحصاره . وأما العلم فلا نهاية له ، ومع ذلك لو ملك إنسان بعض العلوم ، لم يمنع ذلك من تملك غيره له . فظهر أن الحسد إنما هو في التوارد على مقصود مضيق عن الوفاء